الخدمة العسكرية

 

 


   نظرة المراهقينا وشبابنا تشعرنا بالحسرة والأسى على شريحة ليست بالقليلة منهم، فتراهم بشكل عام يعانون من الفراغ والفضاوة. ونظرًا لعوامل كثيرة ومتداخلة، ما بين الأسرة والمدرسة والبيئة المحيطة القريبة والبعيدة والمباشرة وغير المباشرة، فإن هؤلاء المراهقين والشباب للأسف لا يتمتعون بالنضج الكافي، لأنهم أصلًا لا يجدون ممن حولهم من يتحمل مسؤوليته في زرع هذا النضج فيهم! ولذلك فإن طرقهم وأسالبيهم لملء هذا الفراغ فيها من الخطأ والخلل الكثير، منها غير المفيد والذي يضيع الوقت هباءً، ومنها المضر بل والمنحرف الذي يجلب الويلات والمصائب، ومنها ما يضر صاحبها فقط، ومنها ما يضر الآخرين كذلك، وذلك بالطبع معروف وليس خافيًا على أحد.

 

إضافةً إلى أن طبيعة الحياة المرفهة التي يعيشها كثير من هؤلاء، والتي يجدون فيها من يحمل عنهم كل الأعباء، خلقت فيهم نوعًا من عدم الثقة بالنفس والضعف والاتكالية وعدم الرغبة أو عدم القدرة على تحمل المسؤولية! وهذا بالطبع سينعكس على حياتهم الآنية والمستقبلية بكل تفاصيلها مثل كيفية تحديد واختيار المستقبل الدراسي والمهني والأسري، بل أبسط من ذلك - وهو ليس هينًا - مثل الانطباع العام السلبي الذي يتركه أحدهم لدى الآخرين.

 

لذلك فإننا نعتقد أن أحد الحلول الناجحة لتكوين جيل قوي وناضج وواع، يمكن الاعتماد عليه، هو الجيش، ونعني به الخدمة العسكرية الإلزامية، ولتكن تلك الخدمة عقب انتهاء الشباب من الدراسة الجامعية، كما يحدث في بعض البلدان العربية، وعند الحادية والعشرين لمن يقطع دراسته قبل إنهائها، بحيث تكون لمدة سنة أو سنتين حسب ما تحدده الجهة المختصة وحسب ما تراه مناسبًا.

 

وهذه الخطوة في رأينا لها عدة فوائد، فهي ستسهم في إخراج رجال بمعنى الكلمة، يعرفون معنى الالتزام والمسؤولية والاعتماد على النفس، لما تتميز به الحياة العسكرية من قسوة وبأس وشدة تسهم بالتأكيد في صقل شخصية الرجل.

 

إن كثيرًا من شبابنا مترف، والنتيجة للأسف أن تفكيره يتجه غالبًا للكماليات والثانويات والتوافه. والمواضيع التي تشغل باله عديمة الفائدة أو القيمة، فلا يفكر إلا في السيارة الكشخة والتحايل لزيادة نسبة المخفي المصرح بها، والهاتف المتحرك وأرقامه المسلسلة، واللف والحواطة وإزعاج خلق الله وإيذائهم، وينحرف بعضهم بشكل أكبر إلى مستنقع المخدرات والخمور والفحشاء! أما الوظيفة فمنهم من يهتم بالراتب الذي توفره له بالدرجة الأولى، بحيث يكون ذلك أحيانًا على حساب الالتزام بالأداء الجيد!  لذلك فالحياة العسكرية قد تساعده في ترسيخ معاني الجدية والنضج والارتقاء بتفكيره ونظرته للأمور، وبالتالي ترتيب أولوياته بشكل عاقل منظم بعيدًا عن الفوضى والعشوائية.

 

نحن بالطبع لا ندعي أن الخدمة العسكرية الإلزامية هي الحل السحري والوحيد، فنحن نرى شبابًا  ورجالًا، بل ومراهقين ما شاء الله عليهم زي الفل دون الحاجة لتلك الخدمة، ولكننا في نفس الوقت نظن أن الخدمة العسكرية الإلزامية هي الحل الناجع والمؤثر لغير قليل من الشباب الآخر.

 

إلى جانب ذلك فإن الدولة ستستفيد بالتأكيد أعدادًا أكثر من الرجال الذين يمكن الاعتماد على سواعدهم كما يجب عند الحاجة. ونحن بالمناسبة لا ننكر الدور العظيم والموقف المشرف الذي رأيناه من أبنائنا الذي تمثّل في التطوع خلال أزمة الخليج، وندري، بل نثق في أن الكثير الكثير منهم لن يقصّر في أداء الواجب عند الضرورة، ولكننا نظن أن الفائدة ستكون أعمق وقدرتهم على العطاء ستكون أكبر لو كانوا مدربين سلفًا تدريبًا جيدًا بحيث يكون ذلك خلال وقت كاف وغير قصير، وهو ما نظن أن الخدمة الإلزامية ستوفره بالتأكيد.

 

إن الحصص العسكرية في المدارس فكرة رائدة بلا شك، ونراها بداية طيبة للمرحلة التي نقترحها وهي التجنيد الإلزامي، كما أن تكثيف الدورات التدريبية العسكرية الصيفية التي تستوعب طلبة المدارس بدلًا من تضييع إجازتهم المدرسية فيما لا ينفع فكرة تستحق زيادة الاهتمام كذلك.

 

ولا يفوتنا هنا أن نذكر هنا بقول رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم: (علموا أولادكم الرماية والسباحة وركوب الخيل).


  

أبوظبي في 2000 م

هذا المقال نُشِر في صفحة رأي الناس (جريدة الاتحاد) عام 2000 


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التديّن الإماراتي

الذكاء الاصطناعي والكسل العقلي