المشاركات

عرض المشاركات من يوليو, 2026

ليسوا مجرّد عابرين

صورة
            كنتُ في محل عطور ذات يوم. لم أفعل الكثير خلال كلامي مع الموظف، تلطّفتُ في حديثي وابتسمتُ فقط.           قال لي قبل أن أخرج: مثلكِ (يحلّي) يومنا المليء بجمود ورسمية الزبائن. وأهداني حينها الكثير من الدعاء الطيب.           موقفٌ عابرٌ وغير استثنائيّ – حدث منذ بضع سنوات – ومثله مواقف عديدة ومختلفة يتجاوزها بعضنا بمجرد انتهائها. لكن، هل فكرنا أن نتوقف قليلًا ونتمعن فيها وفي هؤلاء العابرين؟ في تأثيرنا عليهم أو تأثيرهم علينا.           يحيلنا مفهوم “أثر الفراشة” (Butterfly Effect) إلى كيفية قيام لفتاتٍ صغيرةٍ في السلوك أو البيئة بإحداث تأثيراتٍ واسعةٍ وعميقة.           ولعلي أستعير هذا المفهوم في المواقف العابرة التي نمر بها مع من نعتبرهم غرباء، والتي تترك أثرًا قد يرافقنا أو يرافقهم لفترة طويلة، ليذكّرنا بانعكاس اللطف، وبأن الإنسانية مساحةٌ مشتَرَكةٌ نتبادل فيها الدفء دون تخطيط، ويُخلِّف كلٌّ منا شيئًا جميلًا في روح الآخر. ...

قربانٌ على مذبح الصبر

صورة
            قرأتُ منشورًا لأحد الأصدقاء، يطرح فكرةً جديرةً بالاهتمام والتفكيك، فحواها أن الصبر هو مقياس الحُبّ والسعادة في العلاقات، كصبر الزوج على زوجه، والأم على تربية أبنائها، والأب على مشاق العمل ومتطلبات الحياة.           وضرب الكاتب مثالَين: أولهما حادثة قصعة الطعام التي أوقعتها أمنا عائشة غيرةً، ورد فعل رسولنا الكريم الصبور والمتفهّم، وثانيهما قصة سيدنا موسى والعبد الصالح التي ذُكِرَت في القرآن الكريم، والتي وضع فيها العبد الصالح الصبر شرطًا رئيسًا للسماح لسيدنا موسى باتّباعه.      مرتبة الصبر في سلم الأولويات:           في تقديري، لا تستقيم الحياة الزوجية بالصبر فقط، فالصبر وحده ليس مقياسًا ولا أولويةً ما لم يرتبط بمعايير أخرى، كرصيد الطرف الآخر، وطبيعة السلوكيات والمواقف التي نواجهها.           إن العلاقات الإنسانية تُبنى على التراكم والتبادلية، وحين يبدر خطأٌ أو مسلكٌ مسيءٌ من شريكٍ يملك رصيدًا من المودة، والتفهم، والدعم الممتد، يكون الصبر...

الجوهرُ الثابت

صورة
  سألتني ابنتي – كثيرةُ الأسئلة – ذات يوم: ماذا لو ناديتكِ (ميرة)، وليس (ماما)؟! كانت المرة الأولى التي أسمع فيها ابنةً تنادي والدها باسمه، في مسلسل (ليالي الحلمية)، حيث دأبت (قمر) على مناداة (زينهم) باسمه المجرّد.      لم يبدُ لي الأمر حينها مستهجَنًا، رغم أنه غير مألوف ويكسر القالب الاجتماعي المعتاد، ولم أتوقف عنده كثيرًا، ولا عند مواقف مشابهة تكررت لاحقًا في القليل من الأعمال الفنية.      لكنني توقفت أمام سؤال ابنتي. كنت أعلم أنه سؤالٌ ضمن الكثير مما يزدحم به رأسها، وقد لا يتكرر طرحه، لكنني وجدت نفسي أتمعّن في أبعاد السؤال: ماذا لو نادتني (ميرة) وتراجعت (ماما) إلى الخلف؟! ما معنى (ماما) أصلًا؟!      هل هي تعريفٌ يحدد صلة هذه البنت بي وبالعالم، كوني ملاذها الأول الذي تنضوي في حضنه؟ أم استحقاقٌ نابعٌ من تحمل مسؤولية الوفاء بمتطلبات هذه الرسالة من رعايةٍ وتربيةٍ والتزامٍ حقيقيٍ تجاهها؟      أفهم بالطبع أن البعض قد يستشعر من سؤال ابنتي رغبةً في التمرّد أو نزعةً لإسقاط الهيبة، لكنني لم أشعر بهذا، فلعلها – بحكم مرحلة المراهقة...

الألم .. جرس الإنذار الرحيم

صورة
     (من تعلّق بشيءٍ عُذِّبَ به) .. تُطرَح هذه العبارة غالبًا في الخطاب الوعظي أو التوجيهي كتحذيرٍ صارم، مما يوحي بأن “التعلّق” مجرد قرارٍ طائشٍ اتخذه الشخص بكامل إرادته، ويستحق عليه هذا العذاب كعقوبة!      إلا أن الحقيقة النفسية والإنسانية أعقد بكثير، فالتعلّق في سياق العلاقات الإنسانية، وإن بدا مرتبطًا بسلوكياتٍ إرادية، هو في جوهره اضطرابٌ قهريٌّ، يقود صاحبه عنوةً ويوجّه تصرفاته. وما يبدو في ظاهره نزعةً للالتصاق والتضييق، والتحكم والسيطرة، يخفي في أعماقه هشاشةً وضعفًا، وتوجّسًا وانكسارًا.      يرى عالم النفس جون بولبي John Bowlby، مؤسس نظرية التعلّق، أننا منذ طفولتنا الأولى نحتاج إلى “قاعدة آمنة” نستمد منها الأمان العاطفي والاستقرار النفسي، ولأننا كأطفال رُضّع لا نملك ترف اختيار “نمط ارتباطنا” فإننا نستجيب تلقائيًّا لمدى توفر أو غياب تلك “القاعدة الآمنة”، فإذا تلاشت هذه القاعدة لأيّ سبب، كالفقد أو الإهمال أو التذبذب في المعاملة أو الحرمان العاطفي الشديد، وقفنا أمام ذلك عاجزين عن تنظيم مشاعرنا داخليًا، فنكبر ولدينا قناعة عميقة بأن العالم مكا...