المشاركات

عرض المشاركات من سبتمبر, 2026

الجمهورُ المأمون

صورة
       الظهور والانتشار والشهرة والتأثير والاسم المعروف، كلها أمورٌ مُغرية للبعض، بل لعلها أصبحت حقًّا مجانيًّا تتيحه وسائل التواصل الاجتماعي اليوم من غير قيودٍ صارمة.           لكن مَن هو الجمهور الذي يُسعى إليه بالفعل، ويُطمَح إلى إعجابه وتصفيقه؟      فكم مِن مشاهيرَ ومؤثرين طار بهم متابعوهم ورفعوهم إلى عنان السماء، متابعةً ودعمًا، وذودًا ودفاعًا، حتى إذا كانت أول زلّة، أسقطوهم من عليائهم! وكأن المؤثّر منتَجٌ استهلاكيٌّ أو رمزيّةٌ خاليةٌ من البشرية والخطأ!           لهذا السلوك دوافع عديدة تناولتها الدراسات الاجتماعية والنفسية، فالجماهير تُحرّكها العواطف الحادة لا العقلانية، والفرد داخل الجموع يفقد قدرته على التفكير النقدي المستقل، ويخضع لـ “العدوى العاطفية” التي تنساق خلف رد الفعل الأول، إلى جانب التفكير الحَدِّي الذي يجعل العقل يتناول المشاهير إما كـ “قدّيسين كاملي الصلاح” أو “أشرارٍ مطلَقين”، بناءً على الصورة الذهنية الأولية التي كوّنها عنهم في بداية ظهورهم، مِن غير قدرةٍ على استيعاب المن...

سكينةُ الاختيار

صورة
       مررتُ بقراءةٍ حائرةٍ في أحد المنشورات، تعبّر كاتِبته بألمٍ عن تردّدها الوجِل في طرح فكرة النظر في الخيارات الفقهية في المسائل التي ورد فيها الخلاف، خوفًا من تهمة التساهل واتباع الهوى إن هي مالت إلى الرأي الأيسر أو المجيز مقابل الرأي الأشد أو المانع!      وقبل أن أنهي قراءة المنشور جال أمام عيني قول أمنا عائشة في سياق إخبارها عن رسولنا الكريم – وهو سياق مدحٍ بلا شك – أنه “ما خُيِّرَ بين أمرَين إلا أخذ أيسرهما…”، واستحضرتُ حينها قول الله تعالى: “یُرِیدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلۡیُسۡرَ وَلَا یُرِیدُ بِكُمُ ٱلۡعُسۡرَ…”، لذا فإن موقفي من تردد الكاتِبة كان حاسمًا وجليًا لا يحتاج إلى طول تفكيرٍ أو نظر.      تعلمنا دائمًا أن اختلاف العلماء رحمة، وأن تعدّد الأقوال الفقهية في مسألةٍ ليس فيها حكمٌ قطعيٌّ ثابتٌ هو شكلٌ من أشكال السعة، وأنه ما دام لكلٍّ بحثُه ودليلُه فرأيه سائغٌ ولا يصح تخطئته، فمن أين جاء الاعتقاد بأن المشقّة ضرورة من ضرورات العبادة؟ وأن قيمة العمل الصالح وصدق التدين يُقاسان بمقدار العَنَت المصاحب لهما؟ ومن الذي أوهمنا أن اختيار الأ...

ومِن شرِّ حاسدٍ…

صورة
         محاضرةٌ ثريةٌ استمعتُ إليها عبر يوتيوب للدكتور عماد رشاد عثمان ضمن سلسلةٍ قصيرةٍ عن “تنظيم المشاعر” تناولت في جزءٍ منها التعرّف على المشاعر وتقييمها على نحوٍ متّزن ومتناسب مع الأحداث والمواقف.      وفي سياق شرحه لنماذج من المشاعر المختلفة، استوقفتني إشارته إلى الحسد، إذ تناوله من زاويةٍ تستحق التفكّر، حيث فسّره في البداية بأنه “الرغبة فيما يمتلكه الآخرون، وتبدأ بوخزةٍ من الحقد، ثم تتصاعد إلى تمنّي زوال هذه النعم عنهم”، ورغم أن الغيرة والغبطة مرحلتان سابقتان للحقد وما يليه فإنهما لا يحجبانه بالضرورة، ليخلص في النهاية إلى أن الحسد شعورٌ عامٌ يعترينا “جميعًا”.      لطالما اعتقدتُ أن الحسدَ أمرٌ مذمومٌ بالمطلق، ويقدح في سلامة القلب ومكارم الأخلاق، إلا أن الدكتور عماد أشار إلى زاوية أخرى لم أفكر فيها من قبل، وهي أن الحسد ليس مذمومًا في ذاته، وأنه شعورٌ قلبيٌّ لا يترتّب عليه ما نؤاخَذُ به ما لم يتبعه سلوك. وبناءً على هذا، فالمذموم ليس “شعور” الحسد المجرّد، بل “شرُّ الحسد” الذي يتأتّى إن تحوّل هذا الشعور إلى سلوكٍ مؤذٍ.   ...

حين تعجزُ اللغة

صورة
       سُئلتُ ذات يوم: كيف تكيّفتِ مع رحيلها؟!      كانت سائلتي تصارع قلقها وخوفها من فقْد أمها، حفظها الله وبارك في عمرها.      كان سؤالًا مباغتًا لم أتهيّأ له، ولم أفكر يومًا كيف يفترض أن أجيب عنه، ولعل ذلك ما جعل ردّي متلعثمًا هزيلًا حِرْتُ في صياغته برفقٍ لا يُثقل مخاوفها.      خاضت أمي – رحمها الله – رحلة مرضٍ طويلة، زادت وطأتها مع مرور الوقت، وانتهت بغيبوبةٍ عزلتها عن العالم لمدةٍ تقارب السنة.      كنتُ – أو هكذا ظننتُ – واقعيةً جدًا وأنا أشهدُ تعثّر رحلة علاجها، وأقنعُ نفسي – بهدوءٍ وعقلانية – بأن بعض الأمراض لا شفاء منها، وأنني في موقفٍ يختبر تسليمي بقضاء الله، ومن ثَمَّ قبول المرحلة التالية دون وَجَل، وكأني بها أهون مِن فَجْعِ الفجأة!      نحن نتخيل حين نرافق مرضانا خلال رحلة معاناتهم، أو حين يُسلب منا حضورُ مَن نُحبُّ تدريجيًا، أننا ندرّب أنفسنا على التخفيف مِن الصدمة، فنظن أن التفكير المنطقي وقبول الحقائق الطبية وإقناع الذات بحتمية النهاية سيعفينا من مرارة الفجيعة!    ...