المشاركات

مَرتعٌ وخيم

صورة
  لله حكمته في تصريف الأمور، وفي ابتلاء العباد، وفي معاملة الظالمين بما يستحقون، ومع أننا غالبًا ما نكون توّاقين لرؤية الجزاء السريع حتى نتحرر من وطأة الظلم وألمه، فإنه ليس بالضرورة أن يُقتَصَّ لنا مباشرةً حتى نشعر بهدوء النفس، ولا أن نُنصَفَ على النحو الذي نريده حتى نشعر أننا استرجعنا حقوقنا، بل ليس حتمًا أن تُرَد كافة المظالم في الدنيا، إذ ربما يكفينا أن نرى عاقبة عمل أحدهم وهي تتسلّط عليه.      ذلك أن الظلمَ، في تقديري، ليس فعلًا يمر بلا أثرٍ في حياة صاحبه، بل تمتدُّ جذوره التي يغذّيها الظالم بنفسه حتى يكون حصادها مرارةً وشقاءً. لذا أحسب أن مِن أشدِّ صور الجزاء ما ينبت في حياة الظالم كعاقبةٍ طبيعيةٍ لسلوكه وتعدّيه، فتصبح أفعاله نفسها هي أصل عقوبته. أنزعج من نفسي عندما أستشعر شبح ابتسامة الرضا على شفتيّ في مثل هذه الأحوال، وينازعني في ذلك حقي كمظلومةٍ تأنس بالأخذ على يد الظالم وكفّ شره، حتى إن لم يكن ذلك إنصافًا لها في مظلمتها على وجه الخصوص.      يرضيني أن يذوق الظالم مرارة ظلمه، حتى إن لم تكن العاقبة متصلةً بما ارتكبه في حقي من ظلمٍ وأذى، وليس...

التطرّف لا يحمل السلاح دائمًا

صورة
        مخيفةٌ تلك الأصوات التي ضجّت بها منصات التواصل الاجتماعي، وطريقة تفاعلها مع الجريمة الإرهابية النكراء التي استهدف مرتكبوها مرتادي كنيسة حمود بمحافظة الكرك الأردنية، واعتدوا على الأبرياء، وفجعوا ذويهم بمقتلهم أو إصابتهم!      أصواتٌ سارعت إلى نفث سموم الفتنة والكراهية، وترويج خطابات متعصّبةٍ مقيتة، بدلًا من الوقوف صفًّا واحدًا في وجه الإرهاب ونبذ التطرّف بشتى أشكاله.      في دولٍ وطنيةٍ معاصرة، تقوم على قيم الاندماج والتعايش، وعلى أساس المواطَنة باعتبارها رابطةَ انتماءٍ تكفل المساواة في الحقوق والواجبات، بغض النظر عن الاختلاف في المعتقَد، يغدو الحديث بنبرة الاستعلاء الديني مذمومًا، وتداول ألفاظٍ تمييزية ضد مكوّنٍ من مكوّنات المجتمع مستهجنًا. لذا، فإن توظيف الاختلاف العَقَدي في الحطّ من مكانة فئةٍ من المواطنين، واستخدام ألفاظٍ مثل “مستأمَن” و”معاهَد” و’ذمّي” لوصفهم، وصولًا إلى جدالٍ في غاية الغلظة اعتراضًا على الترحّم على الضحايا، كل ذلك يبدو نشازًا يشوّه سلام المجتمع ويجرح مشاعر أفراده.      فهذه المفاهيم التار...

تجديد الفكر الإسلامي.. ما الذي يخيفهم؟

صورة
        على مر السنين، جوبهت مساعي تجديد الفكر الإسلامي وإعادة قراءة التراث الفقهي بمقاومةٍ شديدةٍ وهجومٍ عنيف، تتصدرهما تياراتٌ تظن أنها تمتلك الحقيقة المطلقة، وتتقن أساليب الجدال وتحوير النقاش والتلاعب الحواري والنفسي، وتوظفها في الترصّد لكل تجربة تنويرية جادة بغية إسقاطها.      قد أفهم عداء جماعات الإسلام السياسي والجماعات المتطرفة والإرهابية، لأن مشروع التجديد يفكك بعض المرتكزات التأويلية التي استندت إليها تلك الجماعات في تسويغ العنف والتطرف وتبرير جرائمها وانحرافاتها.      لكنني أتوقف أمام المسلم العادي، الذي لا يقيده فكرٌ أيديولوجي، ولا تربطه بتلك الجماعات مصلحةٌ ولا انتماء، ويقلقه لفظ التجديد، ويلتبس عليه مفهوم التنوير في سياقه الإسلامي والعربي، حتى إن كانت بلاده ذاتها ترفع راية التجديد أو تدعو إليه أو تتبنّى مخرجاته عبر مؤسساتها الرسمية وبالاستناد إلى اجتهادات مؤسستها الدينية ومختصّيها في العلوم الشرعية!      ونحن لا نشك في ولاء هذا المسلم لوطنه ولا في محبته لبلاده وقيادته ومؤسساته، لكنه ما إن يواجه مفهوم “تجد...

جنسية الإرهابي .. السؤال الخطأ

صورة
       ما إن تداولتْ بعض وسائل الإعلام الخارجية معلوماتٍ عن جنسية مساعد الطيار المتهم في حادثة طائرة “فلاي دبي”، قبل تأكيدها رسميًّا، حتى انبرت حساباتٌ على مواقع التواصل الاجتماعي للتبرؤ منه، وإلحاقه قسرًا بدولٍ أخرى، وُلِد أو نشأ أو أقام فيها!      وكأن ثبوت التهمة يعني إدانةً مباشرةً لدولته، أو أن السلوك الفردي المنحرف ينعكس تلقائيًا على السمات الوطنية للبلد. وهذا تفكيرٌ تبسيطي وتسطيحٌ مُخِلٌّ يختزل أسباب التطرّف ودوافعه المعقَّدة، فالانحراف الفكري قد يكون نتاجًا لتفاعل عوامل نفسيةٍ واجتماعيةٍ وأيديولوجيةٍ معقّدة، وليس خصلةً جينيةً مرتبطةً بالعِرق أو الجنسية. فالجنسية رابطة انتماء، وليست شهادةً على سلامة الفكر أو انحرافه. والمسؤولية عن الجريمة فردية، لا تُورَّث للأوطان ولا تُحمَّل للشعوب.     إن التطرّف والانحراف الأيديولوجي لا يمثّلان الهوية الوطنية للفرد، ولا يعبّران عنها بحال. ولا ننسى أن بلادنا الإمارات ذاتها – رغم تاريخها الطويل وعزمها الراسخ وجديتها الصارمة في مجابهة الفكر المتطرّف، ومحاربة الجماعات الإرهابية، ومحاكمة منتسبيها – لم يس...

“التخصّص”… أم الموافقة؟

صورة
       هل التخصص هو المعيار فعلًا، أم أنه يُستدعى انتقائيًا لرفض الرأي المخالف؟      في سياق تجديد الفكر الإسلامي فإن “التخصّص” ليس دائمًا حجةً صادقة.      هذا ما خلصتُ إليه بعد سنواتٍ من متابعة ردود الفعل الحادة أمام كل طرحٍ دينيٍّ مختلف. فالواقع – حسب متابعتي – أن التخصّص ليس هو المعيار الحقيقي لدى كثيرٍ ممن يقاومون تجديد الفكر الإسلامي، ولا يُقام له الوزن نفسه في كل الأحوال، فما إن يهزّ المتحدث مسلّماتهم الفكرية، ويزعزع يقينهم بالمألوف، وينتهي إلى نتيجةٍ لا يريدونها، حتى يصبح “التخصّص” موضع السؤال.      على امتداد عقودٍ، وفي أكثر من بلدٍ وسياق، كان كثيرٌ ممن يطرحون قراءةً نقديةً، أو تأويلًا مغايرًا، أو رؤيةً تنويريةً تستحق التمعّن، يُعَدّون “رويبضة” في نظر العقول الرافضة للمراجعة، حتى لو كانوا حاصلين على أعلى الشهادات الشرعية المتخصّصة، وحتى لو كانوا أبناء المؤسسة الدينية الرسمية، بل حتى لو كان أحدهم على رأس الإفتاء في بلده.      هذه الفئة لا تناقش الأفكار التجديدية المطروحة، ولا تُخضعها لقواعد العقل والم...

“لا أعرف”… حتى الآن

صورة
  “كيف لا تعرفين؟ أنتِ أُم!” سمعتُ هذا الرد عدة مرات من أبنائي في مواقف متفرّقة، كانوا يسألونني فيها عن معلوماتٍ أجهلها أو نسيتها، فيكون ردي بتلقائية: لا أعرف. كانوا يستغربون أريحية ردّي، ويندهشون دهشةً حقيقيةً فيها شيءٌ من الإحباط وخيبة الأمل! وبعيدًا عن الصورة المثالية التي لا تبرح أذهان أبنائي عني، بحكم صغر سنهم وعدم اكتمال تجربتهم الحياتية، وبالتأكيد لمحبتهم لي وثقتهم فيّ، فإنني أستغرب من الحرج الذي يعتري البعض أمام حقيقة أنه “لا يعرف”. ولماذا تحولت “لا أعرف” من إجابةٍ طبيعيةٍ إلى اعترافٍ يُشعِر صاحبَه بالضآلة والخجل، وربما يدفعه إلى التواري خلف ردودٍ غير دقيقة؟! أفهم أننا تشرّبنا صورةً ذهنيةً تصوّر الآباء والمعلمين ومن هم أكبر سنًّا باعتبارهم أهل الخبرة والمعرفة الذين يملكون إجابةً لكل شيء، وهذا التصوّر يشكّل جزءًا كبيرًا من شعورهم بالقيمة والهيبة التي تُمنَح لهم، فيغدو الاعتراف بالجهل ضعفًا يجرح شعورهم بقيمتهم، ويظنون أنه ينال من هيبتهم، ويكسر صورتهم ويهز مكانتهم. وربما يدفعهم ذلك إلى التخمين أو تقديم إجاباتٍ خاطئةٍ حفاظًا على تلك الصورة في عيون الآخرين، وهربًا من لحظة مكاشَف...

الجمهورُ المأمون

صورة
       الظهور والانتشار والشهرة والتأثير والاسم المعروف، كلها أمورٌ مُغرية للبعض، بل لعلها أصبحت حقًّا مجانيًّا تتيحه وسائل التواصل الاجتماعي اليوم من غير قيودٍ صارمة.           لكن مَن هو الجمهور الذي يُسعى إليه بالفعل، ويُطمَح إلى إعجابه وتصفيقه؟      فكم مِن مشاهيرَ ومؤثرين طار بهم متابعوهم ورفعوهم إلى عنان السماء، متابعةً ودعمًا، وذودًا ودفاعًا، حتى إذا كانت أول زلّة، أسقطوهم من عليائهم! وكأن المؤثّر منتَجٌ استهلاكيٌّ أو رمزيّةٌ خاليةٌ من البشرية والخطأ!           لهذا السلوك دوافع عديدة تناولتها الدراسات الاجتماعية والنفسية، فالجماهير تُحرّكها العواطف الحادة لا العقلانية، والفرد داخل الجموع يفقد قدرته على التفكير النقدي المستقل، ويخضع لـ “العدوى العاطفية” التي تنساق خلف رد الفعل الأول، إلى جانب التفكير الحَدِّي الذي يجعل العقل يتناول المشاهير إما كـ “قدّيسين كاملي الصلاح” أو “أشرارٍ مطلَقين”، بناءً على الصورة الذهنية الأولية التي كوّنها عنهم في بداية ظهورهم، مِن غير قدرةٍ على استيعاب المن...